ابن الجوزي
65
صيد الخاطر
24 - في العزلة ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس الوعظ ، وتوبة التائبين ، ورؤية الزاهدين ، إلى الزهد والانقطاع عن الخلق والانفراد بالآخرة ، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان ، فان الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون ، يبكون ويندبون على ذنوبهم ، ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شعور الصبا ، وربما بلغوا خمسين ومائة . ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة ، وعمومهم صبيان قد نشئوا على اللعب والانهماك في المعاصي . فكأن الشيطان لبعد غوره في الشر رآني أجتذب اليّ من أجتذب منه ، فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه ليخلو هو بمن أجتذبه من يده ، ولقد حسّن إلي الانقطاع عن المجالس وقال : لا يخلو من تصنع للخلق . فقلت : أما زخرفة الالفاظ وتزويقها ، واخراج المعنى من مستحسن العبارة ففضيلة لا رذيلة ، وأما ان أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع فمعاذ اللّه ، ثم رأيته يريني في التزهد قطع أسباب ، ظاهرها الإباحة من الاكتساب . فقلت له : فإن طاب لي الزهد ، وتمكنت من العزلة ، فنفد ما بيدي أو احتاج بعض عائلتي ، ألست أعود القهقرى ؟ فدعني أجمع ما يسد خلتي ويصونني عن مسألة الناس ، فان مد عمري ، كان نعم السبب ، وإلا كان للعائلة ، ولا أكون كراكب أراق ماءه لرؤية سراب ، فلما ندم وقت الفوات لم ينتفع بالندم ، وانما الصواب توطئة المضجع قبل النوم ، وجمع المال الساد للخلة قبل الكبر ، أخذا بالحزم ، وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس » . وقال « نعم المال الصالح ، للرجل الصالح » . وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير ، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال . وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين ، فإنه عبادة العالم . وان من تغفيل بعض العلماء إيثاره للتنفل بالصلاة والصوم ، عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ريعه ، ويمتد زمان نفعه . وانما تميل النفس إلى ما يزخرفه الشيطان من ذلك لمعنيين : أحدهما : حب البطالة لأن الانقطاع عندها أسهل .